ثقافة التشوه الطبقي

المجتمعات تتشكل من مجموعة من الأفراد هؤلاء الافراد لديهم أفكار مختلفة وطبيعة مختلفة ولكن لان طبيعة الانسان انه كائن اجتماعي يفضل ان يعيش داخل قطيع ويجيد التواصل الفعال، يبحث الانسان عن نمط تفكير مواحد لكي يتشاركه مع الاخرين ليشكلن نمط سلوكي ثابت لتسهيل عملية التعايش والتواصل، ومن هنا تنشأ ثقافة المجتمعات من خلال مشاركة غالبية افرادها بشكل لا ارادي في تكوين نمط افكارها وسلوكها ويعتبر كل منْ يخرج عن هذا النمط شاذ وسط الجموع ومخالف لهم، ويصبح منبوذ اجتماعيا وهو الامر الذي لا يفضله أي انسان، لذلك يسعي كل شخص الي القبول الاجتماعي وينصاع الي شروط هذا القبول والتي تختلف من مجتمع الي آخر، مع الوقت تندثر هوية الانسان الفردية ويصبح تحت تأثير الوعي الجمعي لمجتمعه، واي محاولة للخروج عن هذا الوعي تقابل بالرفض والهجوم من الجميع، ويشارك المجتمع تلقائيا في اخماد أي فكرة دخيلة عليه وتدمير أي نموذج مخالف لطباعهم وميولهم وثقافتهم، فان أي خروج يمثل ثورة علي مبادئهم ويجب ان يتشارك الجميع في اخماد تلك الثورة دون النظر الي محتواها او الفكرة التي أتت بها ان كانت جيده او سيئة، هذا آمر لا يهم بالنسبة للجموع ما دامت غير المتعارف عليه وخارج موروثهم الثقافي، يعتبر المجتمع ان أي فكرة جديدة او نمط جديد بمثابه تهديد مباشر لتدمير تماسك هذا المجتمع وعلي جميع افراده الانتباه حتي لا تنهار ثقفتهم ونمط حياتهم، لا تتعجب يمكن مراجعة كل تاريخ المجتمعات حتي مع الرسل والانبياء، انهم يفضلون العذاب والهلاك علي ان يغيروا ثقفتهم ومورثهم، فهذا ما وجدوا عليه آبائهم ولا سبيل لغير ذلك، فلا تعتقد انك ستكون محل ترحاب اذا اردت ان تكون مختلفا أو منفتحاً او تملك أفكار مغايره، ان الناس لا تبحث عن فكره جديدة بل يبحثون عن الفكرة المؤمنين بها ولكن بطريقة جديدة وتلك هي آفة المجتمعات، حتي مع التقدم الإنساني ظل الانسان يتمتع بنفس النمط تجاه كل ما هو جديد يقول رجل الصناعة الأمريكي هنري فورد صاحب مصانع السيارات الشهيرة التي تحمل اسمه فورد، اذا كنت قد سألت الناس هل يريدون سيارات ميكانيكية لكان ردهم نريد عربات بعدد احصنة اكثر، رمزا الي طريقة التنقل القديمة قبل نموذج السيارات الحديثة، البشر يشعرون بالخوف من كل ما هو جديد، كذلك الأفكار الجديدة أيضا والأشخاص الذين لا يتبعون نفس عاداتهم وسلوكهم .

من الطبيعي ان يبني أي مجتمع نسيجة من ثقافته ولكن المجتمع الكبير ينقسم الي عده مجتمعات بداخله، تسمي مجتمعات صغيرة، تتشكل تلك المجتمعات وفقا لمستوي التعليم والثقافة واللغة والمستوي المادي والاجتماعي والتوزيع الجغرافي، ولكل مجتمع صغير احتياجاته ورغباته وطريقة اشباعها فهناك من يشتهي السالمون والكفيار وهناك من يشتهي اللحوم المدخنة وهناك من يشتهي طعام ساخن فقط، هناك تفاوت في متطلبات الطبقات في كل شيء وهذا آمر طبيعي، ولكن تكمن المشكلة في العصر الحديث في سهولة نشر المعلومات وطبيعة حياة كل المجتمعات الصغيرة لقد اصبح الفقير يعرف جيدا كيف يعيش الأغنياء والي اين يذهبون وكيف يقضون وقتهم وماذا يأكلون ويشربون وأين يقيمون حفلاتهم ومنْ ينظمها أيضا، يمكن الآن ان تتصفح الإنستغرام تطبيق الهاتف الشهير لتعرف تحديد كيف يتصرف جميع اثرياء العالم وكم سعر ملابسهم وماركتها ونوع سيارتهم والحياة الصاخبة التي يحظون بها، ولكني دعني أوضح لك آمر هذه الصورة مغلوطة تماما فليس هؤلاء هم كل الأثرياء فلن تجد مثلا هذا الثري الذي يهتم بحديقته او يهتم بأبنائه واحفاده او تلك المرآة الثرية التي تقوم بإعداد الطعام بحب لتجتمع العائلة حوله، لن يصوروا لك الصدقات والعطاء الذين يمارسونه هؤلاء الأثرياء انهم يظهرون نمط واحد للحياة، ماذا تعتقد وراء هذا النط تحديدا ؟ نعم انه النمط الاستهلاكي فقط والاستعراضي الذي يدفعك بجنون الي الانفاق والتخلص من كل مدخراتك في سبيل ليلة واحدة من تلك الليالي الصاخبة اذا لماذا لا يعرض الإنستغرام كيف يصنع هؤلاء ثروتهم بدلا من عرض كيفية انفاقها ” اننا لا نريدك ان تصبح ثرياً مثلنا انما نود ان نحصل علي اموالك يا عزيزي ” انها احدي الطرق التي نبني بها ثروتنا ان تشتري من مصانعنا منتجاتنا وان تذهب الي الأماكن التي نملكها لتعطي مالك لنا، هيا انضم لنا وتخلص من مدخراتك وعد من حيث اتيت وتابع المشاهدة وافسح المجال لضحايا اخرون مثلك لديهم نفس السذاجة، نحن المستوردون، نحن المصنعون، نحن مطورون العقارات، نحن أصحاب الأراضي الزراعية، نحن المصدرون، نحن المستثمرون، سنخبرك كيف ننفق اموالنا هيا تعالي انفقك اموالك مثلنا هذه ما نريد، ولكن ماذا تريد انت ؟

 
 
“ليس الاقتصاد حفظ المال بل إنفاقه بحكمة“

توماس هنري هكسلي

ان ما تريده انت حقا هو الثراء الحقيقي الذي لا يري امام الناس دائما، يمكنك ان تشتري محفظة نقود ب ١٠٠٠ دولار لكي تضع بها ١٠٠ دولار فقط لتبدو ثري أي عقل هذا، تشتري حذاء من الماركة الفارهة لتذهب وتدوس به في الطين وتهلكه في الموصلات العامة، احقا تشتري حذاء غالي وانت لا تملك سيارة، اذا عليك ان تشتري سيارة لحذائك لتحافظ عليه، أي عبث هذا، الثراء الحقيقي لن يشاهده احد بل ما تعرفه انت، فتري كيف سيشاهد الناس رصيدك في البنك، كيف سيشاهدون عقود عقارات التي اشترتها، كيف سيعرفون انوع آسهم محفظتك الاستثمارية في البورصة، الثراء الحقيقي لا يري وانا مظاهر الثراء هي التي تري بالعين وليس شرط ان تكون هي الحقيقة فهي انعكاس بسيط عن طريقة انفاق بعض الناس ليس الا، المال الحقيقي لا يظهر دائما فهو آمر شخصي غير متداول والا لكان لديك الآن معرفة بطريقة صناعة المال لكل هؤلاء الأشخاص التي تراهم، وبالطبع ليس خفيا عنك ان هؤلاء قد ورثوا الثراء، فمن المستحيل ان تجد المليونير العصامي الذي يبني ثروة لأول مره وسط هؤلاء ما كان للثروة ان تبني من الأساس، فلا تقارن موسم زراعتك بموسم حصاد الأخرين.

ان ما تراه الآن ما هو الا صورة مشوه عن الطبقات الاجتماعية تعكس جانب واحد فقط وليس الحقيقة الفعلية، انه الجانب الاستهلاكي وليس الجانب العلمي او العملي لصناعة المال وادارته، وهذا هو النمط الذي يتبعه الأغنياء الجدد فهو انعكاس لحالة من الحرمان لسنوات فيدمرون القواعد الأساسية لتنميه المال مقابل سعادة مؤقتة تقوم بتعويض الماضي العسر الا تعتقد ان هذا يعتبر تشوه نفسي وعدم اتزان، ان أي سباق بين البشر في محاولة الاستعراض بالممتلكات سباق تعيس فان الجميع خاسر في النهاية فلن تستطيع ان تبهر الناس طول الوقت وان حاولت ان تفعل ذلك ستخسر نفسك بالتأكيد، فاين رضاك انت، الطبقات الاجتماعية الراقية لديها توازن بين المال والعلم والأخلاق ومستوي الانفاق لضمان حياة صحية متوازنة فهم يعلمون جيدا ان أي زيادة في أي جانب سيصبح سلوك متطرف وسينقلب السحر علي الساحر في نهاية المطاف، وهذه بالطبع ليس دعوة للفقر او عدم الانفاق ولكن ما تعلمته من الأثرياء حقا ان للمال قيمة فلا تلقيها علي الأرض هباء، التوازن مهم فهو يجعلك تشتري السيارة التي تحتاجها والملابس الانيقة وتسافر لتقضي اجازتك وتحظي بأوقات رائعة ولكن وفقا لخطتك المالية وحجم التدفقات النقدية الخاصة بك فلن تكون سعيد وانت تجلس في المالديف لتفكر في كيفية تسديد ديونك، تذكر دائما ان طريقة انفاقك هي التي تحدد ثروتك المستقبلية.

مراحل صناعة المال تبدأ بجمعه والتوقف عن انفاقه ومن ثم تبدأ في إضافة بند الرفاهية الي خطتك المالية ويزيد هذا البند بزيادة مالك واستثمارك، ولكن في النهاية اذا كنت ان الشخص الذي عليه صناعة المال فيجب عليك ان تبتعد عن العقلية المشوه المكتسبة من التفاخر والمظاهر الفارغة، هذا التشوه طبقي حدث نتاج تواصل الطبقات الاجتماعية المختلفة بعضها ببعض فهو نتاج تزاوج الفقر براس المال والثقافة بالجهل والواقع بالخيال، انه نمط مصطنع يجذب أصحاب العقول الفقيرة اليه، ولكن اذا نظرت الي المجتمعات التي تتكون من طبقات اجتماعية متقاربه مثل دول إسكندنافية السويد، النرويج، الدنمارك ستجد تقارب الطبقات الاجتماعية مما يجعل نمط حياة الناس متشابه بل تشوه، فالجميع يعيش بشكل متشابه الي حدا ما، لن تجد تفارق كبير ولا يسعي الغالبية الي الظهور فهم ليسوا مضطرون ان يبرهنوا علي مستواهم المادي، منْ فرض عليهم هذا؟

ولكن ما تراه في المجتمعات التي بها فجوه كبيره بين الطبقات سيل من التشوه الذي لا ينتهي، ومحاولات لإثبات الفروق الفردية والاحساس بالتفاخر والابتعاد عن الطبقات الأدنى، هذا يعزز تفوقهم في سباق الخيول العمياء، عليك ان تمنع نفسك من السير علي هذا الدرب والتركيز علي صناعة نمط حياة متزن فالمال وسيلة للارتقاء البشري.   

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *