مغالطة التكلفة الغارقة

لقد كانت سارة ربه منزل رائعة تهتم بشئون بيتها وعائلتها تمتلك من الحب والاهتمام الكثير الذي يدفعها الي المحاولة لتقديم أفضل ما لديها دائما، كانت تهتم بنظافة المنزل والملابس وتتفنن في إعداد الطعام بكرم زائد، محاولة منها ان تصل بعائلتها الي حد الاشباع والسعادة مع كل وجبة، وبالفعل حينما تجتمع الاسرة علي طاولة الطعام كانوا يستمتعون بالمذاق والتنوع ويسألون الله دوام النعمة قبل ان يقوم الواحد منهم تلو الاخر بعد إحساس الشبع وسط تساؤلات سارة الدائمة التي تصل أحيانا الي حد اللوم، آين سيذهب هذا الطعام ؟ الاطباق مازالت ممتلئة، هل من المنطقي ان نقوم بإهدار هذا الكم من الطعام ؟

يبدو ان الجميع يشعر بالشبع وسارة أيضا أصبحت كذلك، ولكنها اتخذت قرار داخلي بعد كم من الحسابات و الأفكار عن مصير باقي الطعام التي قامت بإعداده، وحساب تكلفة الطعام التي لم تكن زهيدة، والاحساس بتأنيب الضمير من اهدار تلك النعمة الجيدة، فقررت محاولة اكمال المهمة والوصول من الشبع الي الامتلاء، ربما ابعد من ذلك لتجنب إحساس التأنيب من هدر نعمة الله والمجهود المبذول في اعداد الطعام اعتقادا منها انها قامت بالقرار الصائب، حيث تقليل الخسائر والكمية المهدرة من الطعام، ها قد نجحت أخيرا في ابتلاع ضعف الكمية التي في استطاعتها اكلها، وتبقي القليل الذي يمكن ان يكون طبق جانبي غدا او في العشاء، شعرت أخيرا بالإنجاز والتخمة والخمول والالم في المعدة والصدر وصداع أيضا، يبدو ان العائد علي القرار التي اتخذته ربما لم يكن صائب فالقرار يبدو جيد ولكن النتائج المترتبة عليه سيئة للغاية، مما جعلها تسأل نفسها هلي القرار الذي اتخذته للتوفير والذي يبدو منطقي جدا للحظتها صحيح؟ أما انه قرار خطأ يؤدي الي خسائر مستقبلية؟.

اذا كنت تعتقد ان سارة قد اتخذت القرار الخطأ هنيئا لك فأنت لا تقع في فخ مغالطة التكلفة الغارقة، أما اذا كنت تعتقد ان سارة اتخذت القرار الصحيح ولديك الكثير من الأدلة المنطقية التي تفسر هذا القرار فيبدو لي انك تعاني في الحكم علي الكثير من امور حياتك ولكن اطمئن انت لست وحدك، فتلك المغالطة في التفكير يتبعها الكثيرين من الأشخاص بشكل طبيعي ومفرط، تلك المغالطة ببساطة هي طريقة تفكير تجعل الناس يتخذون قرارات تبدو منطقية في الوقت الراهن دون حساب العائد عليها في المستقبل وغالبا ما يكون الخوف من الخسارة هو الدافع وراء تلك القرارات، يسيطر علي أصحاب العقلية الفقيرة خوف من الخسارة وحب للمكسب السريع بشكل تلقائي ولذلك يتجنبوا حساب المستقبل علي اللحظة الحالية.

سارة اتخذت قرار صحيح بتجنب الخسارة في الوقت الحالي ولكن دون النظر الي الخسائر المترتبة مستقبلا، وان تكلفة الطعام والمجهود التي قامت بتوفيرهم سوف تدفع اضعافهم في المستقبل اذا ما استمرت علي اتباع نفس طريقة التفكير، فإن تحقيق المكسب اللحظي في هذا المثال من الممكن ان يترتب عليه الشعور بالتخمة وفقدان المجهود البدني والذهني لباقي اليوم وأيضا تغيير الحالة النفسية مما قد يؤدي الي ردود أفعال سلبية ومع الاستمرار في تلك المغالطة ربما تؤدي الي السمنة والامراض المزمنة والكثير من المشاكل الصحية مما يعني تكلفة مالية اكبر وتكلفة في المجهود اعلي، وهنا نستطيع ان نري ان القرار الذي يحقق مكسب لحظي نسبيا هو قرار خاطئ ويجلب الكثير من الخسائر مستقبلاً، والاهم من ذلك هو ان اتباع هذا النمط من التفكير سيصاحبه الكثير من الخسائر وفقا للتقييم الخاطئ لكثير من المواقف الحياتية.

ان العقلية التي تقع في مغالطة التكلفة الغارقة تتسم بالفقر والتركيز علي الاستسلام للظروف ومحاولة تحقيق أي مكسب لحظي وتجنب الخسارة المؤقتة مما يجلب لها خسائر متعددة لاحقا، فهناك الكثير من الأمثلة علي استخدامات تلك المغالطة ربما تكون انت واحدا من هؤلاء الأشخاص الذين يتبعون هذا النمط في التفكير او ربما تكون رأيت حولك منْ يتبعون هذا النمط، هنا سأوضح بعض امثله التفكير بنمط مغالطة التكلفة الغارقة لكي تستطيع تحديد وتمييز هذا النمط الكارثي الذي من الممكن ان يعصف بحياتك تماما :

إحدى اشهر الأمثلة الأشخاص الذين يستمرون في علاقات إنسانية مريضة ومضره سواء كانت تلك العلاقة ارتباط عاطفي او زواج او صداقة مع اشخاص يؤثرون علي حياتنا بالسلب، او اننا نكتشف بعد فترة ان هؤلاء الأشخاص غير مناسبين لنا وينعكس تأثرهم علي مجري حياتنا ويجعنا نشعر بالسوء تجاه انفسنا او تجاه نمط حياتنا الطبيعي، الغالبية مما يتبعون نمط المغالطة الغارقة يحاولون الاستمرار في تلك العلاقات بدافع الخوف من الخسارة، فهم يعتقدون ان خسارة هؤلاء الأشخاص ستجعلهم يعودون الي نقطة الصفر مما يعني خسارة الكثير من الوقت والمجهود والمشاعر .. الخ، ولكن تلك المغالطة تؤدي الي قرار خاطي بالاستمرار مما يعني مزيد من الخسائر المستقبلية والدائمة وأيضا في الغالب ستنتهي العلاقة بمأساة كبري مما يعني مزيد من المعاناة والالم المضاعف والخسارة المضاعفة، ان الأشخاص الناضجين الذين يمتلكون عقليات واعية لديهم اهداف واضحة في العلاقات، ولديهم إدارة لمشاعرهم ومجهودهم داخل العلاقة، فهم لا يسمحون لاحد باستنزافهم، لانهم يدركون ان انفسهم مورد هام، لا يتم استنزافه بسهوله، ولذلك هم يتخلصون بشكل حاسم وفوري من أي علاقة تؤدي الي استنزاف مواردهم من وقت وأفكار ومشاعر، ليحافظوا علي انفسهم في تحقيق غاية الانسان الاسمي في الحياة وهي ان تحي حياة رائعة تساعدك علي تحقيق مراد الله منك وتحقيق الحياة التي تتمناها دون جذب معوقات ستنزف مواردك المحدودة.

هناك الكثير من الأمثلة لضحايا هذا النمط من التفكير الذي يحمل المغالطة حولنا، فهناك من يدخل كلية لدراسة تخصص محدد من ثم يكتشف بعد دراسة عام ان ذلك التخصص مخالف لما يريد، فهو لا يحمل أي شغف لتلك النوعية من المواد الدراسية ولكنه يفضل ان يكمل ٣ سنوات اخري علي ان يتراجع ويضيع عام من حياته، وهناك من يبدأ مشروعه الخاص ويستمر بالخسارة ويعمل ما في وسعه ليتجنبها وينصحه الخبراء بالتوقف ولكنه يراهن بكل ما تبقي لكي لا يشعر بالخسارة والتكلفة التي تم دفعها في انشاء هذا المشروع، فربما يزداد الامر سوءا ويتكبد خسائر فادحة وربما يخرج من التجربة بديون يحملها معه الي المستقبل، البعض يشتري أشياء ومن ثم يكتشف مع الوقت عدم حاجته اليها فيشير له البعض ان يقوم بإعادة بيعها او التخلص منها او حتي التبرع بها ولكنه يخشي الإحساس بالخسارة وهذا يا عزيزي يعزز احساسنا بالخسارة ويجعلها عميقة ويجعلنا نشك في انفسنا وعقولنا وطريقة تفكيرنا وما هي الا مغالطة منطقية يتبنها العقل نتاج ضعف الخبرة والمعرفة.

مشكلة تلك المغالطة انها مع الوقت تشكل سلوكك وعاداتك في التفكير وتصبح امر طبيعي بالنسبة لك، هنا عليك ان تتوقف علي اتباع هذا النمط وتقوم بمراقبة نفسك وافكارك، تدرب ان تتقبل خسارة الجولة ليكون تركيزك علي الفوز بالمباراة، لا مانع ان تتأخر لوقت مدام تملك القدرة علي العودة ثانية ، ان التأخر بهدف او هدفين في مباراة كرة القدم لا يعني ابدا انك قد هزمت دائما يمكن تعويض الفارق والعودة مرة اخري تلك طبيعة اللعبة وهي أيضا طبيعة الحياة، في عالم المال والاعمال يؤمنون ان الخسارة جزء من المكسب وهي احدي البدائل المفروضة دائما والسبيل لتجنبها او إيقاف تواجدها، اننا نؤمن بالموت ولا نستطيع ان نتجنبه ولا نستطيع إيقافه لكي نصبح خالدين ولكننا أيضا مؤمنين بالحياة ولذلك نسعي لكي نحيا حياة عظيمة او علي اقل تقدير نحاول ان تكون حياتنا تستحق، عليك ان تطمح الي الخسارة لأنها ستنتهي حتما وتتجنب النجاحات التي ستؤدي الي خسائر اكبر مستقبلاً، اذا كان الفيلم غير جيد اخرج من قاعة العرض ليس من المنطق ان يتضيع وقتك من اجل عدم الإحساس بخسارة ثمن التذكرة، الوقت اغلي واكثر قيمة من ثمن تذكرة الحفل وكذلك عقلك اكثر قيمة من ان يحمل بداخلة تلك المغالطة المدمرة، توقف عن التفكير بهذا النمط وتخلص منه اذا كنت تسعي ان تحيا حياة رائعة بحق.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *